انخرط الآن
مجلة الوسيط Centre Hebdo

أوراق المؤتمر السابع.. تشريح الواقع واستشراف المستقبل (الحلقة الثالثة)

يُطلق حزب الوسط الاجتماعي، تزامناً مع مؤتمره الوطني السابع، ورشاً نقدياً تحت شعار "من الوحدة الترابية إلى البناء الاجتماعي والاقتصادي"، لتقييم الحصيلة الحكومية الحالية.

تُقدم هذه الأوراق كـ "وثيقة مكاشفة" ترصد التباين بين الرؤى الملكية الاستراتيجية وبين التنزيل الحكومي الذي اتسم بالحلول الترقيعية والتعثرات البنيوية في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والفلاحة.

وبناءً على الدور الدستوري للأحزاب، سيتم نشر هذه الرؤى في حلقات متسلسلة تتناول ملفات شائكة، كأزمة العطش، وسيطرة الوسطاء في الفلاحة، وتغول لوبيات السكن، دفاعاً عن المصلحة الوطنية وبلورة لبدائل تنموية حقيقية.

الحلقة الثالثة

إشكالية السكن بالمغرب

عقوبات مالية رادعة

لا يجب أن تقتصر العقوبة على إنذار بسيط، بل يجب فرض غرامات يومية عن تأخير التسليم (تعوّض المتضررين مباشرة)، وغرامات ثقيلة في حالة عدم مطابقة مواد البناء للمعايير، قد تصل إلى سحب رخصة المنعش العقاري نهائياً من سجلات الوزارة.

الضمان العشري وتفعيل المراقبة

تفعيل حقيقي لـ"الضمان العشري" (Assurance Décennale) الذي يُلزم المنعش بإصلاح أي عيب بنيوي يظهر خلال 10 سنوات. حالياً، يجد المواطن نفسه وحيداً أمام القضاء لسنوات، بينما المنعش قد غيّر اسم شركته أو اختفى.

الرقمنة والمتابعة الميدانية

منصات مثل "رخص" (Rokhas) يجب أن تتطور لتشمل "سجل تتبع الأشغال" المفتوح للعموم والمراقبين، حيث يتم توثيق كل مرحلة من مراحل البناء بالصور والتقارير التقنية قبل الانتقال للمرحلة الموالية، مما يمنع "غش" الأساسات أو المواد التي تُغطى لاحقاً.

الصرامة في التنفيذ

فالمواطن المغربي لم يعد يبحث عن "سقف" فقط، بل عن "كرامة سكنية" تضمن له الجودة، والأمان، واحترام موعد التسليم الذي غالباً ما يضيع في دهاليز التسويف.

هل إحداث "هيئة تفتيش مستقلة" (خارج وصاية وزارة التعمير) هو الحل لضمان حياد المراقبة وعدم التساهل مع اللوبيات؟

الحقيقة

العبرة ليست في "التبعية الإدارية" للهيئة، بل في "نجاعة التفعيل" وربطها بمبدأ المسؤولية بالمحاسبة الذي نص عليه الدستور.

المشكلة في المغرب لم تكن يوماً في غياب المؤسسات، بل في "ثقافة الإفلات من العقاب" وتداخل المصالح. لكي تنجح أي هيئة مراقبة، سواء كانت تابعة للوزارة أو مستقلة، يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط أساسية:

الاستقلالية الوظيفية

أن يمتلك المراقب صلاحية توقيف الأشغال فوراً أو فرض غرامات دون الحاجة لـ"ضوء أخضر" سياسي أو إداري قد يخضع للضغوط.

الرقمنة الكاملة للمسار

عندما يكون تقرير المخالفة إلكترونياً وغير قابل للتعديل (بتقنية البلوكشين مثلاً)، يقل هامش "التفاوض" أو المحاباة بين المراقب والمنعش.

تفعيل العقوبات الجنائية

لا يجب أن تقتصر المحاسبة على الغرامات المالية فقط، التي قد يعتبرها المنعش مجرد "مصاريف إضافية" ويربح أكثر من الغش، بل يجب أن تصل إلى المتابعة القضائية بتهمة تعريض حياة المواطنين للخطر في حال ثبوت تلاعب في جودة الأساسات أو المواد الحيوية.

المشاريع الفاخرة والوسطى

التركيز على مناطق سياحية وأحياء راقية (مثل مارينا، وبوسكورة، ورياض الهلال)، حيث هوامش الربح عالية.

عقارات الدولة

الاستفادة من الوعاء العقاري العمومي (أراضي الدولة) لبناء مشاريع تجارية وسكنية تُباع بأسعار السوق، مما يساهم في رفع القيمة العقارية بدلاً من خفضها.

النموذج المطلوب (العودة للأصل): وسائل التخفيف على المواطن

ليتم تحقيق تكاليف البناء والتمويل المجالية، يجب:

الفصل بين الاستثمار الربحي والتنمية المجالية: تخصيص فرع خاص للسكن الاجتماعي يعمل بـ"الربح الصفر" أو الهامش الرمزي.

استغلال العقار العمومي لخدمة العموم: منع تفويت أراضي الدولة للشركات التابعة للصندوق إلا إذا كانت مخصصة لمشاريع سكنية تستهدف الطبقات الهشة بأسعار مسقفة لا تتجاوز التكلفة + هامش بسيط.

تسليع الحق الدستوري

وفق ما نص عليه الدستور، إذ عندما تصبح الشقة "سلعة" تخضع للمضاربة وليست "حقاً لائقاً"، يغيب الضمير المهني. المسؤول الذي يفترض فيه السهر على جودة حياة المواطن، يصبح أول من يلتف على القانون لتحقيق "هامش ربح إضافي".

الحد من ثقافة "الهموز"

إذ ساد منطق أن العقار "لا يموت" (L'immobilier ne meurt jamais)، مما دفع حتى غير المتخصصين للدخول في الميدان بحثاً عن الثراء، والنتيجة هي غياب التخصص، والغش في المواد، وضياع الهوية المعمارية للمدن المغربية التي أصبحت عبارة عن "علب كبريت" متشابهة تفتقر للروح.

القوانين وحدها لن تحل المشكلة ما دام "المنعش" يرى في الغرامة مصاريف بسيطة يمكن تعويضها من جيب المشتري. الحل يتطلب "ثورة في الحكامة" تجعل من الإثراء غير المشروع على حساب جودة السكن "جريمة اقتصادية" لا تسقط بالتقادم، مع تفعيل رقابة شعبية (جمعيات، إعلام، منصات رقمية) تفضح الممارسات الجشعة.

ضرورة مساعدة المواطن في تمويل السكن

ينبغي إخراج التمويل من نفق "القروض المرهقة"، ويمكن اقتراح:

صناديق تمويل قطاعية: إحداث صناديق تابعة للدولة (مثل صندوق الإيداع والتدبير - CDG) تمنح قروضاً بـ"فائدة صفرية" أو رمزية لمقتني السكن الأول، بضمانة الدعم المباشر. وتحديد سقف الهامش الربحي للبنك في السكن المدعم، بحيث لا يتجاوز ربح البنك نسبة معينة (مثلاً 2% فوق سعر الفائدة الرئيسي للمغرب)، لأن الدولة تدعم هذا القطاع بمالية الشعب.

التعاونيات السكنية الحقيقية: تشجيع المواطنين على التجمع في تعاونيات لبناء مساكنهم بأنفسهم، مما يلغي "ربح المنعش" و"فوائد البنك التجارية"، ويخفض التكلفة بنسبة 30% على الأقل.

مفارقة غريبة في الاقتصاد المغربي

صندوق الإيداع والتدبير (CDG)، الذي تأسست فلسفته الأصلية على كونه "أمين مال" مدخرات المغاربة (صندوق التوفير الوطني، صناديق التقاعد)، تحول مع الوقت من "محرك للتنمية الاجتماعية" إلى "منعش عقاري عملاق" يبحث عن الربح التنافسي.

تحليل لهذه الإشكالية في سياق "حق السكن": الانحراف عن "الدور السوسيو-اقتصادي"

بدلاً من أن يلعب الصندوق دور "الضابط للسوق" (Régulateur) عبر توفير عرض سكني بأسعار تكلفة منخفضة، أصبح ينافس القطاع الخاص عبر توفير عرض سكني بأسعار تكلفة منخفضة، أصبح ينافس القطاع الخاص.