كلمة الأمين العام لحزب الوسط الاجتماعي أمام المجلس الوطني في دورته الاستثنائية
المنعقدة بتاريخ 20 يونيو 2026 بقاعة العروض حبيبة المذكوري، عين الشق، الدار البيضاء.
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
السيدات والسادة أعضاء المجلس الوطني المحترمين،
السيدات والسادة أعضاء المكتب السياسي المحترمين،
السيدات والسادة ممثلي الهيئات والمنظمات الموازية للحزب المحترمين،
الحضور الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
يشرفني أن ألتقي بكم اليوم في هذه الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب الوسط الاجتماعي، والتي تنعقد في ظرفية سياسية ووطنية دقيقة، وعلى مقربة من محطة انتخابية مفصلية تتمثل في الانتخابات التشريعية المقبلة، بما تحمله من رهانات كبرى وتحديات متعددة، وبما تتيحه كذلك من فرص لتعزيز المسار الديمقراطي لبلادنا وتجديد النخب السياسية القادرة على مواكبة تطلعات المواطنات والمواطنين.
إن اجتماعنا اليوم ليس مجرد محطة تنظيمية عادية، بل هو وقفة للتقييم والتشخيص واستشراف المستقبل، وفرصة لتجديد العزم وتقوية التعبئة استعداداً للاستحقاقات المقبلة، انطلاقاً من قناعتنا الراسخة بأن العمل السياسي المسؤول يقتضي وضوح الرؤية، وصدق الالتزام، والقدرة على التفاعل الإيجابي مع قضايا الوطن والمواطن.
في مستهل هذه الكلمة، لا يسعنا إلا أن نقف بكل اعتزاز وإكبار عند المكتسبات التاريخية والإنجازات الدبلوماسية المتتالية التي تحققها قضية الصحراء المغربية، بفضل القيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات نوعية في مسار هذا الملف الوطني الاستراتيجي، حيث تمكنت الدبلوماسية المغربية من تحقيق اختراقات مهمة على المستوى الدولي، عززت من عدالة ومشروعية الموقف المغربي، ورسخت قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي بواقعية المقترح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي باعتباره الحل الجدي والواقعي وذي المصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي المفتعل.
واليوم، يمكن القول إن قضيتنا الوطنية دخلت مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكاسب وتعزيز الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وذلك من خلال الدعم المتزايد الذي تحظى به المبادرة المغربية من قبل قوى دولية مؤثرة، ومن خلال تنامي الاقتناع الدولي بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الإطار الأمثل الذي يضمن لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم المحلية في إطار الوحدة الوطنية والترابية للمملكة.
وفي المقابل، يؤسفنا استمرار الجارة الشرقية في تبني مواقف متجاوزة للواقع السياسي والدبلوماسي الدولي، وإصرارها على معاكسة التوجهات الأممية وعرقلة جهود بناء فضاء مغاربي متكامل وقادر على مواجهة التحديات المشتركة. ففي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو التكتلات الاقتصادية والسياسية الكبرى، ما تزال شعوب المنطقة المغاربية محرومة من تحقيق حلم الاتحاد المغاربي بسبب حسابات ضيقة لا تخدم مصالح الشعوب ولا متطلبات التنمية والاستقرار.
ومن هذا المنبر، نجدد تأكيدنا على أن قضية الصحراء المغربية ستظل في صدارة أولوياتنا الوطنية، وأن الدفاع عنها مسؤولية جماعية تستوجب تعبئة جميع القوى الوطنية والسياسية والمدنية.
السيدات والسادة،
لقد ظل حزب الوسط الاجتماعي، منذ تأسيسه، وفيا لمرجعيته الفكرية والسياسية القائمة على الوسطية والاعتدال والمسؤولية الوطنية، وهي المرجعية التي جعلتنا نتعامل مع مختلف القضايا الوطنية بمنطق المصلحة العليا للوطن بعيدا عن الحسابات الضيقة أو الاصطفافات العقيمة.
ومن هذا المنطلق، تعامل حزبنا مع الحكومة الحالية بمنهجية واضحة قوامها الموضوعية والاستقلالية السياسية. فلم نكن حزب معارضة من أجل المعارضة، كما لم نكن طرفا في التبرير أو التزكية غير المشروطة. بل انطلقنا دائماً من معيار واحد وواضح هو: مصلحة الوطن والمواطن.
لقد ساندنا كل المبادرات والقرارات التي رأينا فيها خدمة للمصلحة العامة وتعزيزا لمسار التنمية والإصلاح، وانتقدنا بكل مسؤولية ووضوح كل الاختلالات والقرارات التي اعتبرنا أنها لا تستجيب بالشكل المطلوب لانتظارات المواطنات والمواطنين.
وخلال هذه الولاية الحكومية، ظل حزب الوسط الاجتماعي متابعاً دقيقاً للأداء الحكومي، ومنخرطاً في النقاش العمومي حول مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واضعاً نصب عينيه الدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية المختلفة، وعن قيم العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وتكافؤ الفرص.
أيها الحضور الكريم،
إن التحولات العميقة التي شهدتها بلادنا خلال العقود الأخيرة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى يقودها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله.
فبفضل الأوراش الملكية الكبرى، تمكن المغرب من تحقيق قفزات نوعية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبنيات التحتية والاستثمارات الاستراتيجية، كما عزز حضوره الإقليمي والدولي كفاعل موثوق وشريك يحظى بالاحترام والتقدير.
لقد ساهمت هذه الأوراش في بناء نموذج تنموي مغربي متفرد، يقوم على التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية، وبين الانفتاح على العالم والحفاظ على الثوابت الوطنية، وبين تحديث المؤسسات وصيانة الاستقرار السياسي.
كما عززت الإصلاحات السياسية والدستورية التي عرفتها المملكة مسار البناء الديمقراطي، ورسخت مكانة المؤسسات الدستورية، ووسعت فضاءات المشاركة السياسية والمجتمعية، بما يجعل المغرب نموذجا متميزا في محيطه الإقليمي.
السيدات والسادة،
إن الانتخابات التشريعية المقبلة تأتي في سياق وطني وإقليمي ودولي مليء بالتحديات والتحولات المتسارعة، الأمر الذي يفرض على جميع القوى السياسية الاضطلاع بأدوارها كاملة في تأطير المواطنين والمساهمة في إنجاح هذه المحطة الديمقراطية الهامة.
وبالنسبة لحزب الوسط الاجتماعي، فإن هذه الانتخابات ليست مجرد منافسة انتخابية، بل هي فرصة لتعزيز حضور المشروع الوسطي المعتدل داخل المشهد السياسي الوطني، وفرصة لكسب مواقع جديدة تمكن الحزب من الاضطلاع بأدوار أكبر في خدمة الوطن والمواطن.
إننا نؤمن بأن المغرب في حاجة إلى خطاب سياسي مسؤول ومتوازن، وإلى قوى سياسية تؤمن بالحوار والتوافق والعمل المؤسساتي، وهي القيم التي تشكل جوهر المشروع السياسي لحزب الوسط الاجتماعي.
كما أننا نعتبر أن توجهاتنا الفكرية والسياسية المستندة إلى الوسطية والاعتدال تنسجم بشكل كبير مع الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك في بناء مغرب حديث، متضامن، متقدم، وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة واقتدار.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد جعل حزب الوسط الاجتماعي من تمكين النساء والشباب إحدى أولوياته الأساسية، إيماناً منه بأن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تكتمل دون مشاركة فعلية وواسعة لجميع مكونات المجتمع.
وفي هذا الإطار، أطلق الحزب العديد من المبادرات والحملات التحسيسية الرامية إلى تشجيع النساء على الانخراط في العمل السياسي والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، انطلاقاً من المكانة المحورية التي تحتلها المرأة في المجتمع، ومن المكتسبات الدستورية المهمة التي راكمتها بلادنا في مجال المساواة والمناصفة وتعزيز الحقوق.
كما حرص الحزب على الانفتاح على الشباب وإشراكهم في مختلف هياكله التنظيمية، باعتبارهم طاقة متجددة وقوة اقتراحية قادرة على الإسهام في تجديد الحياة السياسية وإغناء النقاش العمومي.
إن شباب اليوم هم قادة الغد، ولا يمكن تصور مستقبل سياسي وتنموي ناجح دون حضورهم الفاعل والمؤثر في مختلف مواقع المسؤولية وصناعة القرار.
السيدات والسادة،
لقد دأب حزب الوسط الاجتماعي على الدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة المكثفة في مختلف الاستحقاقات، انطلاقاً من إيمانه بأن قوة الديمقراطية تقاس بمدى انخراط المواطنين في تدبير الشأن العام.
إننا نراهن على تعبئة المواطنات والمواطنين من أجل اختيار نخبة سياسية وبرلمانية جديدة تتوفر فيها الكفاءة والنزاهة والاستقامة والقدرة على الترافع عن قضايا الوطن والمواطن.
كما نتطلع إلى أن تشكل هذه الانتخابات محطة نوعية تساهم في تجديد النخب السياسية، وتمنح العمل البرلماني نفسا جديدا، وتكرس الممارسة الديمقراطية السليمة القائمة على التنافس الشريف والبرامج الواقعية.
وفي المقابل، فإننا نؤكد ضرورة القطع مع كل الممارسات التي قد تمس بمصداقية العملية الانتخابية أو تضعف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، لأن المرحلة الراهنة تتطلب مسؤولية جماعية ترتقي إلى حجم التحديات الوطنية والإقليمية والدولية التي تواجه بلادنا.
الحضور الكريم،
سيظل حزب الوسط الاجتماعي وفيا لمرجعيته الوسطية المعتدلة، ولخياراته الديمقراطية، والتزامه الثابت بخدمة الوطن والمواطن.
وسنواصل العمل بكل جدية ومسؤولية من أجل الإسهام في تعزيز البناء الديمقراطي وترسيخ قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، دعما للمشروع الإصلاحي والتنموي الكبير الذي يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
إن المغرب الذي نؤمن به هو مغرب الكرامة والعدالة والمسؤولية، مغرب المؤسسات القوية، ومغرب التنمية الشاملة، ومغرب الفرص المتكافئة لجميع أبنائه.
وإننا على يقين بأن المستقبل سيكون أفضل بفضل تلاحم العرش والشعب، وبفضل الإرادة الجماعية لكل القوى الوطنية الصادقة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وشكراً على حسن إصغائكم.