يُطلق حزب الوسط الاجتماعي، تزامناً مع مؤتمره الوطني السابع، ورشاً نقدياً تحت شعار "من الوحدة الترابية إلى البناء الاجتماعي والاقتصادي"، لتقييم الحصيلة الحكومية الحالية.
تُقدم هذه الأوراق كـ "وثيقة مكاشفة" ترصد التباين بين الرؤى الملكية الاستراتيجية وبين التنزيل الحكومي الذي اتسم بالحلول الترقيعية والتعثرات البنيوية في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والفلاحة.
وبناءً على الدور الدستوري للأحزاب، سيتم نشر هذه الرؤى في حلقات متسلسلة تتناول ملفات شائكة، كأزمة العطش، وسيطرة الوسطاء في الفلاحة، وتغول لوبيات السكن، دفاعاً عن المصلحة الوطنية وبلورة لبدائل تنموية حقيقية.
في إطار القانون التنظيمي رقم 11.29 المتعلق بالأحزاب السياسية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 166.11.1 بتاريخ 24 ذي القعدة 1432 الموافق 22 أكتوبر 2011.
إذا كان هذا الدعم جاء انطلاقاً واعتماداً على الخطاب الملكي الذي أوصى بتمكين الأحزاب السياسية من الموارد الكافية لممارسة نشاطها.
فإنه، حسب مقتضيات الفقرة الخاصة بهذا الدعم، فإنه ينص على تغطية المصاريف المترتبة على المهام والدراسات والأبحاث التي تنجزها لفائدتها من طرف الكفاءات المؤهلة، بهدف تطوير التفكير والتحليل والابتكار في المجالات المرتبطة بالعمل الحزبي والسياسي.
غير أنه عند مناقشة كيفية صرف هذا الدعم من طرف الحزب مع السادة المستشارين في المجلس الأعلى للحسابات، تبين أنهم يتجهون إلى ضرورة لجوء الحزب المشار إليه أعلاه إلى مسطرة المناقصة ولجنة اختيار المكتب الذي يرسو عليه المزاد، إلى غير ذلك من الإجراءات التي تتعارض مع الفصل المذكور.
إذ أن القانون ينص على أن المهام والدراسات التي تنجز من طرف الكفاءات في المجالات المرتبطة بالعمل الحزبي السياسي، أي الكفاءات الحزبية.
بمعنى أن هذا الدعم يُخصص لتشجيع الكفاءات والأطر المنضوية داخل الحزب على الإبداع والابتكار في جل القضايا والبرامج الوطنية التي يهتم بها الحزب.
ولذلك، ونظراً لعدم وضوح المسطرة، فإننا كأحزاب لم نطلب من هذا الدعم.
لذلك نقترح تعديل الفقرة المذكورة بتوضيح أوجه صرف واستعمال الدعم المذكور بشكل واضح لا لبس فيه يتلافى كل خلاف أو تفسير، مع الزيادة في الغلاف المالي لهذا الدعم.
لا يمكن الاختلاف حول أهمية ودور استعمال الأحزاب لوسائل الاتصال السمعي البصري العمومية لنشر برامجها وأفكارها واقتراحاتها في إطار المسؤولية الدستورية الملقاة على عاتقها، كما سبقت الإشارة إليه في مطلع هذه المذكرة.
وأن استعمال هذه الوسائل يتضمن مرحلتين:
* المرحلة العادية، تقتضي مصاحبة وإشراك الأحزاب في جميع الحوارات والنقاشات المتعلقة بالقضايا المحورية والطارئة التي تعرفها البلاد.
* والمرحلة الثانية، تتعلق بفترة الانتخابات، أي مواكبة الحملة الانتخابية للأحزاب.
غير أنه خلال هذه السنوات، عرف المشهد السمعي البصري اتجاهاً واحداً ورأياً واحداً يكاد يذكرنا بالرأي والحزب الواحد.
إذ بالنسبة للمرحلة الأولى، فقد لاحظنا إقصاءً وتهميشاً من استعمال الإعلام العمومي، حيث تم إقصاؤنا بشكل منهجي من البرامج الحوارية بصفة دائمة ومستمرة، بحيث لم نتمكن من الاتصال مع المواطنين عبر هذه البرامج، إذا علمنا أن إقناع المواطن بالمشاركة في تدبير الشأن العام يتم عبر الإعلام حيث يعرض الحزب برنامجه وأفكاره في كل القضايا الوطنية، الشيء الذي يجعل المواطن مطلعاً على مختلف الآراء الحزبية.
كما تجدر الإشارة إلى أن جميع أجهزة الاتصال السمعي البصري، من قنوات تلفزية ومحطات إذاعية، أقصت وتقصي حزبنا من كل نقاش طيلة السنوات الأخيرة، باستثناء القناة الأولى التي تحرص بصفة مستمرة على تغطية الأنشطة الحزبية.
تعرف بلادنا حملة إعلامية شرسة تهدف إلى تبخيس العمل الحزبي والتنقيص من قيمة كل سياسي بكافة الوسائل ودون تبرير أو مناسبة، حتى تكونت لدى المواطن قناعة بربط الأحزاب والسياسة بمختلف أنواع الفساد.
وأن هذا يطرح أكثر من علامة استفهام حول منهجية الإقصاء هذه، التي تشكل في الواقع خرقاً للدستور بسبب انعدام المساواة وغياب تكافؤ الفرص.
لذلك، نقترح تعديل القانون المنظم للمشهد السمعي البصري بالتنصيص على تخصيص حيز زمني للأحزاب المقصية فيما يتعلق بالبرامج الحوارية بشكل إلزامي، وكذا تغطية الأنشطة الحزبية، تحقيقاً للعدل والمساواة، وبالشكل الذي يسمح للأحزاب السياسية بالقيام بدورها الدستوري.
فإنه ينبغي إعادة تعديل المرسوم الخاص بتحديد الحصص المخصصة لكل حزب، بالشكل الذي يسمح لجميع الأحزاب بالتساوي أن توضح وتناقش وتعرض أفكارها وبرامجها أثناء الحملة الانتخابية.
لذلك يتعين العمل على إيقاف هذا الشكل الذي يسمح بالتفاوت بين الأحزاب، واعتماد الوسائل التي تراها الحملة الانتخابية مناسبة.
فإذا كان الفصل 7 من الدستور ينص على التعددية والمساواة، فإن قانون الصحافة رقم 13-88 ينص في فصله السابع على أن الدولة تلتزم بضمان حرية الصحافة وتحقيق الديمقراطية وتعددية الإعلام، وتعمل على الالتزام بها.
غير أنه، ومنذ سنة 2021، توقف دعم الوزارة للإعلام الورقي للأحزاب، حيث أصدرت الوزارة المرسوم رقم 3195-24 المتعلق بتحديد الوثائق المكونة لملف طلب الدعم العمومي لقطاعات الصحافة والنشر والتوزيع.
غير أنه بالرجوع إلى هذا المرسوم، نلاحظ أنه محصور في الشركات التجارية والمقاولات المختلفة، ولا يشير إلى كيفية حصول الصحافة الحزبية على الدعم الخاص بها، على اعتبار أنها تشكل التعددية السياسية التي لا تخضع لقانون الشركات والقانون التجاري بصفة عامة.
واعتباراً لكون هذا المرسوم لا يشير إلى دعم التعددية، فإن جرائدنا حُرمت من الدعم منذ التاريخ المذكور، باستثناء الدعم الذي تتوصل به من رئاسة الحكومة سنوياً وبكيفية منتظمة.
وما دامت الجرائد الحزبية وسيلة حزبية مهمة ورافعة للعملية الانتخابية النزيهة والنظيفة، التي تحقق المساواة، فإن حرمانها من الدعم يشكل خرقاً للدستور من جهة، وانعداماً للمساواة من جهة أخرى، كما يحول ويعرقل هذا الإقصاء الدور المنوط بالأحزاب السياسية وفق الفصل 7 من الدستور.
ولذلك، يتعين العمل على تسوية هذه الوضعية قبل الانتخابات، لكون الإعلام جزءاً من العملية الانتخابية ككل، إن لم يكن أهم عنصر من عناصر نجاح الانتخابات.
ولذلك، ومادام الغرض من الحوار الذي أمر به صاحب الجلالة نصره الله هو إعادة صياغة الترسانة القانونية المنظمة للانتخابات، فإنه من الضروري تحقيق المساواة وضمان التعددية وإشراك الجميع في الاستحقاقات الانتخابية بنفس الوسائل، برفع كل القيود والفوارق المشار إليها أعلاه.
في إطار توجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى إشراك الأحزاب السياسية في بلورة مقترحات حول مقترح الحكم الذاتي الذي وعد جلالته بصياغته، وبناءً على اجتماع الأحزاب السياسية مع السيد وزير الداخلية ووزير الخارجية في الموضوع، نتشرف بأن نوافيكم ببعض الاقتراحات التي نرى أهميتها وضرورتها لكونها تتعلق بالسيادة الوطنية.
التسليم بأن المغرب بلد له خصوصيات متعددة توجد على أرض الواقع منذ وجوده كدولة وكيان، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال تقليد تجربة بعينها، سواء التجربة القائمة على الجهات المستقلة، أو النموذج الفيدرالي، وإن كان سيتم بالضرورة الخضوع لبعض تأثيرات التجارب الموجودة حالياً، التي يمكن أن نستفيد ونأخذ الجانب الإيجابي منها.
إن أهمية الحكم الذاتي كحل يجد تبريره في خصوصية مناطقنا الجنوبية، وخاصة النزاع المفتعل الذي طال أمده بالتدخل السافر لخصوم وحدتنا الترابية، وخاصة الجزائر، واستعصاء حله من طرف المجتمع الدولي رغم وضعه التاريخي والحقيقي.
وبما أن القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن يوم 31/10/2025، وكذا خطاب صاحب الجلالة في نفس اليوم، كرّسا بوضوح اقتراح الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية للمغرب، إذ لم يعد هناك مجال لمناقشة أي حل للنزاع غير الحكم الذاتي.
وإذا كان المقترح من شأنه أن يضع حداً للنزاع، فإنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ما ستؤول إليه وضعية المواطنين المغاربة المحتجزين بتندوف بعد إحصائهم، وكيف سيتم استقبالهم وضمان حقوقهم، وكذا وضعية قيادة البوليساريو. هذه الوضعية تستدعي حتماً فترة زمنية انتقالية للمفاوضات والأخذ والرد، قد تجد حلاً في قبولهم المرور بفترة زمنية انتقالية، تبدأ بالتعيين من طرف جلالتكم لإدارة الأقاليم، من أجل تهيئ مراكز السلطة، على أن تنتخب فيما بعد المؤسسات والأجهزة التي ستسير الحكم الذاتي.
وفي الواقع، فإن الصعوبة ستتجلى في المفاوضات خلال هذه السنة، التي سيستغلها أعداء وحدتنا الترابية لإجهاض المقترح، بنفس منهجيتهم وطريقتهم السابقة التي أجهضت مجهودات الأمم المتحدة والمغرب.
إن المغرب لا يعتبر نفسه بلداً مستعمِراً، إذ يوجد على أراضيه وحقق وحدته الترابية بناءً على اتفاقية مدريد مع الدولة المستعمِرة إسبانيا، والحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية، ورغبات السكان الصحراويين، وأخيراً قرار مجلس الأمن، وكل ذلك لم يترك مجالاً للجدال حول سيادة المغرب على كافة أراضيه.
ومن هذا المنطلق، فإن صيغة الحكم الذاتي هي حل للنزاع ووضعية نهائية، لا يمكن أن تنتقل إلى مرحلة الانفصال أو الاستقلال عن الوطن الأصل، أي أنه لا ينبغي اعتبارها مرحلة انتقالية، بل شأناً داخلياً ينظم عن طريق قانون صادر عن المملكة المغربية الشريفة، أي الدستور، ولا ينبغي أن يحتكم فيه إلى القانون العام الدولي.
إن الحكم الذاتي سيصبح شأناً داخلياً يحتكم وينظم عن طريق قوانين المملكة، ولا يخضع إلا للسيادة الوطنية.
وللوصول إلى صيغة الحكم الذاتي بعد موافقة جميع الأطراف عليه، نرى ضرورة تعديل الدستور الذي حدد نظام الجماعات المحلية بالمغرب، بإدماج الصيغة والشكل اللذين يضمنان وحدة البلاد وصيانة وحدتها الترابية.
وللحيلولة دون المطالبة فيما بعد بالاستقلال، ينبغي التنصيص وتقييد ذلك، بإخضاع كل مطلب في هذا الصدد إلى الاستشارة الواسعة والشاملة لكافة أقاليم وجهات المملكة عند التفكير في إدخال أي تعديل على هياكل الحكم الذاتي وطبيعته، أو إعطاء صلاحيات حماية الحكم الذاتي إلى الملك، بحيث يمكنه إلغاؤه عند انحرافه بما يهدد الوحدة الترابية للبلاد، باعتباره الضامن للوحدة الترابية بمقتضى دستور المملكة.
إن الحكم الذاتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُبنى على العرقية والإثنية، وإنما على الرغبة في تحقيق الاستقرار والرخاء والديمقراطية، وضمان حرية الأفراد والجماعات، عبر تسيير إداري متكامل يؤدي إلى صيانة الحقوق اللغوية والانتماء، ويضمن التنمية البشرية المحلية، تنصهر فيه كل أشكال الاختلال التي لا تستطيع الإدارة المركزية الانتباه إليها أو معالجتها بشكل ناجع.
ولبلورة مبدأ السيادة الوطنية الكاملة للمغرب على أراضيه، لا ينبغي التساهل أو التنازل عن رموز السيادة الوطنية المتفق عليها من طرف الشعب المغربي قاطبة، والتي تعتبر خطاً أحمر، ويمكن تلخيص تلك المقتضيات فيما يلي:
لا شك أن المغرب له تجربة كبيرة في النظام الجهوي الذي اعتمده منذ سنة 1997 كتجربة جهوية اقتصادية واجتماعية وثقافية، تتم بالتعاون مع الدولة والجماعات المحلية، وكرستها كافة الدساتير، إذ خطى خطوات واسعة في الجهوية الموسعة للجهات، الذي يحمل في طياته اختصاصات مهمة للجهات، يمكن توسيعها لتشمل تسيير الشأن المحلي باستقلالية أكبر ومرونة، برفع مستوى الاختصاصات والتنظيم الإداري إلى الحكم الذاتي.
إن هذه التجربة جديرة بالاعتبار والتطوير، لتصبح على شكل الحكم الذاتي.
وقد اتضح من خلال النقاش العميق الذي فتحه حزب الوسط الاجتماعي مع مناضليه وممثليه في الأقاليم الصحراوية على الخصوص، أنهم يتمسكون بشكل لا يدع مجالاً للشك أو الريبة بالنظام الملكي ووحدة المملكة المغربية من طنجة إلى الكويرة، ويؤكدون أن الملكية والدين والعادات والتقاليد مصادر للقوة الروحية بالنسبة لسكان المنطقة وأهلها، كما يؤمنون بأن النظام الملكي الدستوري الديمقراطي يضمن الاعتبار والضمان والتعدد اللغوي والثقافي والقبلي والعرفي، والمساواة بين الجنسين وبين كافة المغاربة.
ولذا من الضروري وضع الهياكل المسيرة بالشكل الذي يلائم طبيعة العيش في الصحراء المغربية، ويستجيب لتمثيلية القبائل، علماً أن القبيلة لا تزال تلعب دوراً مهماً في حياة السكان، لا ينبغي إهماله ولو مؤقتاً في انتظار تطوير وتأهيل ساكنة الصحراء.
كما يتعين أن يكون مقترح الحكم الذاتي متلائماً مع طبيعة وخصوصيات باقي الجهات، لضمان الوحدة الترابية لبلادنا.
ويتعين الاعتماد في بناء الحكم الذاتي على فعاليات سياسية ونخب جديدة، لا تأخذ في ممارساتها السياسية والوطنية حسابات الربح والخسارة، ذات مصداقية وتمثيلية حقيقية لدى كافة مواطني الصحراء، ومؤمنة بالوحدة الوطنية، ومخلصة لملك البلاد.
ونغتنم هذه الفرصة للتعبير عن تأييدنا الشامل واللامشروط لكافة الخطوات التي يتخذها صاحب الجلالة الملك محمد السادس وطنياً ودولياً، كما نعبر عن آيات الولاء والإخلاص للسدة العالية بالله، طالبين من الله سبحانه وتعالى أن يطيل عمره ويسدد خطاه، ويكون خير سند مبارك لخطواته الرشيدة.
الأمين العام لحزب الوسط الاجتماعي
الأستاذ الحسن مديح